”سينما ٣٠”.. في عشق الأبيض والأسود”

الاحد 15 يوليو 2018 | 05:46 مساءً
كتب : عمر هشام

إنها العين التي ترى ولا تنسى ما تراه، إنها الأذن التي تسمع ولا تنسى ما سمعته، إنها من تسجل وتحفظ كل ذكرى وكل لحظة، سواء كانت كبيرة أو صغيرة.

 

إنها قطعة الحديد التي ترهب وتخيف الحكام والطغاة والمسئولين الظالمين.. إنها الكاميرا، ذلك الشيء الساحر الذي يحفظ الذكريات ويوقف الزمن ويسجل اللحظات، رجوعًا إلى العام ١٩٣٠، فقد بدا حينها أهالي قرية "ضي القمر" يعيشون تحت وطأة ظلام العصور الوسطى، يتخبطون في ممر الجهل والخرافات والعادات والتقاليد، يعيشون في الظلم الذين اعتادوا عليه، وفي الفقر الذي لم يعد غريبًا عنهم.

 

يذهب المخرج "منير فريد" إلى قرية "ضي القمر" لمحاولة إخراج أول فيلم مصري ناطق (غرام في بلاد الريف)، ليكون الفيلم من بطولة أهل القرية، يرحب بالمخرج عمدة القرية ومأمور المركز في بداية الأمر.

 

ثم تبدأ رحلة إكتشاف أهل القرية لهذا الإختراع العجيب الساحر "الكاميرا" ، لا يعلمون، هل هي آلة لرفع المياه؟ أم هي آلة جديدة للزراعة؟ أم آلة اتصال؟ هل تطلق النيران؟ هل تصدر أصواتًا؟ لا أحد يعلم، ولكن الجميع يهابها ويخشاها.

 

أما السلطة التي هي أقل جهلا من أهل القرية لم تعبأ بقطعة الحديد تلك، لم يعلموا أن تلك "الحديدة" هي سبيل أهل القرية للتعبير والمعرفة والحرية. يعترض أهالي القرية في بداية الأمر على قصة الفيلم الذي سيشاركون في تصويره حيث يرون فيه خروجا على عاداتهم وتقاليدهم. يحاول المخرج إقناعهم بحيل عدة، فتارة يعرض عليهم المال، وتارة يخبرهم أنهم يجسدون قصة أشخاصا آخرين، فيقتنع أهالي القرية رويدا رويدا. إنها السبيل إلى المعرفة، إنها الوسيلة إلى التعبير، إنها الممر إلى الحرية، إنها قطعة الحديد التى ترى، إنها الكاميرا.

 

تبدأ السلطة تلاحظ ما يحدث، إن تلك الكاميرا تساعد أهل القرية على الحديث، إنها تجعل من يقف أمامها يبوح بما داخله.

 

وهنا تتحول السلطة المتمثلة في العمدة وشيخ البلد ومأمور المركز من الترحيب بالمخرج إلى الترهيب والرفض والديكتاتورية، فتحاول منع تصوير ذلك الفيلم بشتى الطرق، ذلك الفيلم الذي جاء إلى قريتهم وأحضر معه العديد من اللعنات، لعنة الخيال، لعنة البوح، لعنة التعبير.

 

سبعون ممثلًا وممثلة، يقفون على خشبة المسرح، يتحركون هنا وهناك، كأنهم سيمفونية متقنة، لا يمكنك أن تفقد تركيزك للحظة واحدة على الرغم من كل ذلك العدد.

 

استطاع مؤلف المسرحية ومخرجها محمود جمال أن يمزج كل عناصر النجاح من فكرة وإخراج وموسيقى وإضاءة وديكور حتى يخرج لنا بهذا العرض النادر، لا يمكنك أن تنظر في هاتفك لثانية أو ثانيتين لتتأكد من الساعة، لا يمكنك أن تمل أو أن يشرد ذهنك، العديد من المشاعر المختلفة تنتابك وانت تشاهد العرض، من بكاء شديد في بعض المشاهد إلى ضحك بصوت مسموع في مشاهد أخرى.

 

من كان ليظن أنه يمكننا أن نشاهد فيلما أبيض وأسود على خشبة المسرح في العشرينيات، وكأنك سافرت عبر الزمن إلى الماضي لتشاهد فيلما راقيا كلاسيكيا قديما في السينما.

 

يمكنك أن تلاحظ بسهولة وأنت تشاهد العرض المسرحي أن المؤلف، المخرج لم يترك شيئا للمصادفة أو الاجتهاد غير المبني على معلومة، فقد استعان بمراجع لهجة مراجع لتاريخ السينما المصرية ومراجع لتاريخ الريف المصري.

 

وكذلك لم يترك تفصيلة فنية واحدة إلا وأتقنها، فالممثلون قاموا بتأدية ادوارهم بشكل محترف، الموسيقى التصويرية المتوترة المتناسبة تماما مع أحداث العرض، الإضاءة والديكور والملابس الذين يسافرون بك عبر الزمن إلى حقبة الأبيض والأسود.

 

نجح محمود جمال من خلال ذلك العرض المختلف أن يؤكد على أن حرية التعبير هي ألد أعداء كل سلطة غاشمة وديكتاتورية.

 

عرض "سينما ٣٠" يمكن اعتباره واحد من العروض المسرحية التي لا تتكرر، عرض تشاهده ثم ترغب في معاودة مشاهدته مرة أخرى.

 

الجدير بالذكر أن المسرحية ستعرض قريبًا في يومي الخميس والجمعة التاسع والعاشر من شهر أغسطس القادم على مسرح الهوسابير.