تعزيز الخطاب الأخلاقى

الخميس 27 مارس 2025 | 03:05 مساءً
اللواء الدكتور محسن الفحام
اللواء الدكتور محسن الفحام
كتب : بقلم اللواء الدكتور محسن الفحام

وهكذا تمضي أيام شهر رمضان المبارك سريعًا كما هي عادته كل عام، وقد حاول كل منا أن يستفيد من كرم هذا الشهر كل بطريقته، وأعتقد أن الغالبية العظمى كانت حريصة على متابعة بعض البرامج الدينية القريبة إلى العقل والقلب، خاصة برنامج "الإمام الطيب" مع الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف.

 وبرنامج "نور الدين"، الذي يقدمه الإمام علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق، وأيضًا برنامج "قطايف" للفنان سامح حسين، الذي يُبث على منصات التواصل الاجتماعي، والذي أشاد به السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤخرًا.

تعزيز الخطاب الأخلاقي

والواقع أن تلك اللقاءات وهذه الأحاديث جميعها تجتمع على "تعزيز الخطاب الأخلاقي" وذلك في زمن انحدرت فيه الأخلاق والقيم وأساليب التعامل إلى أدنى درجاتها. ومن هنا جاءت أهميتها وتوقيتها، لعلنا نعود إلى سابق عهدنا ونعلم أبناءنا، ونعود بهم بعض الشيء إلى أسس التعاملات الصحيحة والقيم والمبادئ الإنسانية السمحة، ونقتدي بنماذج ناجحة في الحياة، بعيدًا عن العنف والهمجية والبذاءة والانحطاط.

إن الأخلاق الحميدة هي حقًا إكسير الحياة، لدرجة أن الإسلام، بل والأديان السماوية جميعها، تحث على حسن الخلق والبعد عن المشاحنات والمشادات في حياتنا اليومية، ومراعاة قاعدة "أن الدين المعاملة"، وأنه يجب الارتقاء بالإنسان في سلم الحضارة والقيم لكي يتحلى بالأخلاق والفضيلة في تعاملاته مع الآخرين، وتزدان حياته بحسن الخلق وسماحة النفس، وغيرها من الصفات التي يكتسبها في رحلة حياته، نتيجة التعلم والإدراك والفهم لفوائد مكارم الأخلاق التي جاءت بها الشرائع السماوية، لتعلمه كيف ينمو ويرتقي وفقًا لمناهج محكمة، بعيدة عن الانحرافات السلوكية التي تبيح ما لا يجوز من الأفعال، والتي أصبحت مشهدًا مألوفًا في حياتنا.

لقد جاءت الرسالات السماوية داعية في جوهرها إلى الفضائل الأخلاقية، وبث القيم في النفس البشرية، والسمو بها إلى أعلى مراتب الفضيلة، والترفع عن كل رذيلة. كما نادت الأديان والشرائع بمبادئ وقيم يكمل بعضها بعضًا، إلا أن واقعنا الراهن يشهد، للأسف، سلوكيات خاطئة تسيطر على سلوك الكثير من الناس، ضاربين بالقيم الأصيلة والمثل العليا في التراحم والتكامل والتضامن والوحدة والإيثار والوفاء والإخلاص عرض الحائط.

الواقع أن مسئولية تعزيز القيم الأخلاقية لا يجب أن تنحصر في التأثير اللحظي للبرامج الدينية والإنسانية التي أشرنا إليها، بل لا بد أن تتلاقى معها أساليب تربوية جديدة تتلاءم مع روح العصر، وتطور الحياة، وظهور أساليب مبتكرة للتواصل مع الإنسان في حياته اليومية، معظمها تؤدي به إلى سلوكيات خاطئة، أو على الأقل لا تتواءم مع قيمنا وأخلاقنا. ومن هنا، كان لا بد من إيجاد أساليب تربوية وأسرية حديثة وواعية، تعد معيارًا مقبولًا للتطور الذي يشهده العالم حاليًا. فعلاقة الآباء مع الأبناء يجب أن تتخطى مرحلة إصدار الأوامر أو التعليمات، حتى ولو كانت في صالح الأبناء، وأن نلجأ إلى أساليب التعاون والإقناع والتفاهم، والابتعاد عن اللوم على الأخطاء، والتشجيع على الإصلاح، بالإضافة إلى إعطائهم الاختيارات والبدائل، ثم التوجيه نحو تحمل مسئولية القرارات والأفعال، مع الحرص على استمرار التواصل معهم والتفاهم والدعم، والعمل على إيجاد حلول لمشكلاتهم، وتشجيعهم على اللجوء إلينا في أي وقت دون خوف أو تردد.

مما لا شك فيه أن مناخ التربية الذي نشأ عليه الآباء والأمهات منذ عشرات السنين يختلف عما نحن فيه الآن، حيث تزيد المغريات وأعداد الأصدقاء، ومنهم الصالح، وأيضًا منهم الطالح، وكذلك انتشار المخدرات وسهولة الحصول عليها، حتى في المدارس والجامعات. كل هذا يستلزم أن يكون للأسرة دور أساسي في تنشئة أبنائهم، وتنمية قدراتهم على التمييز بين الطيب والغث، والاقتراب من حياتهم الشخصية بقدر الإمكان دون تدخل مباشر، والعمل على إبعاد أصدقاء السوء من حياة أبنائهم بالإقناع والتحاور والتشاور.

إن واقعنا الحالي، وما نراه يوميًا من انفلات أخلاقي، يؤكد ابتعادنا عن المقاصد العليا للأخلاق، التي تدعو إليها جميع الأديان السماوية. ولعل شهر رمضان المبارك يكون بداية حقيقية للعودة مرة أخرى إلى أخلاقنا وقيمنا الجميلة التي ابتعدنا عنها، في محاولة أن نجعل الصوم بداية لإحياء منظومة القيم والأخلاق التي افتقدناها كثيرًا، ولتصحيح سلوكياتنا الخاطئة مع الآخرين.

والأمر في هذا المجال لا يقتصر على المسلمين في مصر فقط، بل إنه يمتد أيضًا لأشقائنا المسيحيين وشركائنا في الوطن، حيث يؤكد قداسة البابا تواضروس أن الأخلاق هي مجموعة القيم والمبادئ والصفات التي تحكم حياة الإنسان، ويُقاس عليها إن كانت أعماله صالحة أم فاسدة. والأخلاق تتأثر بالدين والثقافة والمجتمع، وبالتالي فإن ثقافة الغرب ليست بالضرورة تتماشى مع ثقافة الشرق، وما هو متعارف عليه في مجتمع معين قد يكون مرفوضًا في مجتمع آخر. ولكن الدين وحده لن يساهم في خلق التزام أخلاقي ما لم تسانده الأسرة على ذلك، فمن يريد أن يصبح أولاده صادقين وصالحين، عليه أن يقدم هو نفسه القدوة لهم، فلا يكذب ولا يسيء إلى الآخرين.

إن الأخلاق هي أساس تقدم الشعوب، وقوة الأمم، وسر تقدمها وبقائها.

في نهاية كلمتي، فإنني أدعو رجال الدين الإسلامي والمسيحي إلى أن يتخذوا من فترة الصوم، التي تشاركنا فيها هذا العام، انطلاقة عملية ومخلصة لتعزيز الخطاب الأخلاقي، خاصة أننا قد عشنا في رحاب هذه الأيام المباركة في حالة استعداد لتلقي الدروس والوعظ والرسائل الدينية، وأيضًا الدنيوية، التي تحض على الأخلاق الحميدة، والمحبة الخالصة، والبعد عن الموبقات وأصدقاء السوء، والقرب من الله. كما أناشد رجال التعليم بأن يكون هناك مادة دراسية عن علوم الأخلاق الكريمة وتأثيرها في بناء مجتمعات قوية، سلمية، غير قابلة للاختراق أو الانحدار. كما أدعو الله أن يهل علينا شهر رمضان المبارك في الأعوام القادمة على بلادنا الجميلة، وقد ازدادت نموًا ونهضة وأمانًا وسلامًا ومحبة، وكل عام وأنتم بخير.

اللواء الدكتور محسن الفحام
شيخ الأزهر مع اللواء الدكتور محسن الفحام